الأردن كبوابة للشركات الصينية نحو الأسواق العالمية | بقلم د. مأمون الجابري
(رئيس مجموعة الجابري في آسيا وعضو مجلس إدارة منتدى رجال الأعمال العرب في الصين)
تم طرح إطار التعاون “الشركات الصينية – الأردن – الأسواق العربية والعالمية” المقترح في هذه المقالة، والترويج له من قبل الدكتور مأمون الجابري، انطلاقاً من منظور السياسة العامة العالمية، والاستثمار العابر للحدود، والتوطين، والامتثال، والوصول إلى الأسواق. ويهدف هذا الإطار إلى تعزيز زخم التعاون الذي أفرزته هذه الزيارة رفيعة المستوى، وتحويله إلى آلية للاستثمار طويل الأجل، وتأسيس الصناعات، وتوسيع نطاق الأسواق الإقليمية للشركات الصينية.
في أغسطس 2026، قام العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بزيارة إلى الصين، شملت كلاً من شنغهاي وشنتشن وبكين، حيث ركزت الزيارة على الاطلاع على مجالات التصنيع المتقدم، والذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية، والنقل الذكي. ولا تسهم هذه الزيارة رفيعة المستوى في تعميق العلاقات الثنائية بين الصين والأردن فحسب، بل تفتح أيضاً نافذة استراتيجية جديدة أمام الشركات الصينية للتوسع في الأسواق الإقليمية.
ويتمتع الأردن اليوم بمقومات تجعله بوابة استراتيجية للشركات الصينية إلى الأسواق العربية، بل وإلى الأسواق الدولية، بفضل ما يتميز به من ترتيبات تجارية متميزة وموقع جغرافي استراتيجي.
01 المزايا المؤسسية: نظام الأردن لـ«النفاذ المزدوج إلى الأسواق»
طوّر الأردن نظامًا نادرًا لـ«النفاذ المزدوج إلى الأسواق»، بما يوفر للشركات الصينية قناة مؤسسية مميزة للوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
المستوى الأول — السوق العربية الإقليمية: بصفته عضوًا في منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (GAFTA)، يمكن للمنتجات المصنّعة في الأردن دخول الأسواق العربية بصورة أكثر تفضيلًا. ومع استيفاء قواعد المنشأ المعمول بها، يمكن للشركات الاستفادة من تخفيضات جمركية كبيرة ومعاملة تفضيلية.
المستوى الثاني — الأسواق الأوروبية والأمريكية وغيرها من الأسواق الدولية ذات المعاملة التفضيلية: وقّع الأردن اتفاقيات تجارة حرة أو اتفاقيات تجارية تفضيلية مع عدد من الاقتصادات الرئيسية، من بينها الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، وكندا، وسنغافورة، والرابطة الأوروبية للتجارة الحرة (EFTA)، كما يحافظ على علاقات تجارية تفضيلية مع عدد من الدول الأفريقية في إطار اتفاقية أغادير.
02 ترقية منطق الاستثمار: من «إعادة التصدير» إلى «التوطين الحقيقي»
لا يمكن لمجرد إعادة الشحن أو النقل، أو إعادة التغليف، أو وضع الملصقات أن يمنح المنتج تلقائيًا صفة المنشأ الأردني. ولا يمكن للشركات الاستفادة من المزايا الجمركية ذات الصلة إلا بعد استيفاء قواعد المنشأ، ومتطلبات المعالجة وإضافة القيمة، والمتطلبات التنظيمية الأخرى التي تحددها السوق المستهدفة.
ويتمثل نموذج الاستثمار الأكثر قدرة على تحقيق الإمكانات في:
رأس المال والتكنولوجيا وقدرات سلسلة التوريد الصينية + الإنتاج والتصنيع المحلي، والكوادر البشرية، وشهادات الاعتماد في الأردن ← منتجات أردنية المنشأ ومتوافقة مع المتطلبات القانونية ← الأسواق العربية والأسواق الدولية ذات المعاملة التفضيلية.
ويتمثل جوهر هذا النموذج في خلق قيمة مضافة محلية حقيقية وتوفير فرص عمل، وليس استخدام الأردن كقناة للتحايل على الرسوم الجمركية.
03 سبعة مجالات استراتيجية للتعاون تستحق اهتمامًا خاصًا
استنادًا إلى الإشارات والرسائل التي أفرزتها هذه الزيارة الرسمية، تتمتع المجالات السبعة التالية بإمكانات عالية للتعاون:
الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة الصناعية: بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل المواهب والكفاءات البشرية، والبرمجيات، والخدمات، والتطبيقات.
النقل المتقدم والخدمات اللوجستية الذكية: استكشاف مشاريع تجريبية ضمن بيئات تنظيمية تجريبية (Regulatory Sandboxes) في مجالات الطائرات بدون طيار، والتوصيل الآلي، والخدمات اللوجستية الذكية.
الطاقة والمعادن والصناعات الخضراء: دفع التعاون على امتداد سلسلة القيمة الكاملة، من الموارد ← المعالجة ← التصنيع ← التصدير.
تصنيع الأغذية والأمن الغذائي: إنشاء منصة مشتركة صينية-أردنية لإنتاج وتصدير الأغذية الحلال.
الأدوية والصحة الرقمية: توسيع مجالات التعاون في التصنيع المشترك، وترخيص التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي الطبي، والصحة الرقمية.
التصنيع المتقدم والتجمعات الصناعية: بناء منظومات صناعية متخصصة حول الشركات الرائدة والمحورية.
البنية التحتية الرقمية والقدرات الحاسوبية: أصبحت مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، وخدمات القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي نقاط نمو جديدة.
04 من الزيارة إلى الآلية: بناء منصة تعاون مؤسسية مستدامة
لتحويل النتائج الدبلوماسية للزيارات رفيعة المستوى إلى آلية صناعية طويلة الأمد، يمكن النظر في إنشاء منصة تعاون مؤسسية ومستدامة بين الشركات الصينية والأردن والأسواق العربية والعالمية، على أن تركز على ستة محاور رئيسية: الاستثمار، والتوطين، والتكنولوجيا، والمواهب والكفاءات، والتنظيم والرقابة، والتوسع الإقليمي.
ولا ينبغي قياس النتائج الحقيقية للزيارات الرسمية رفيعة المستوى بعدد الاتفاقيات التي تم توقيعها فحسب، بل بمدى قدرة هذه الاتفاقيات والتعاون الناتج عنها على توفير فرص العمل، وبناء القدرات التكنولوجية، وتطوير سلاسل التوريد المحلية، وزيادة الصادرات؛ فهذا هو الفرق الجوهري بين النتائج الدبلوماسية والأثر الفعلي للسياسات العامة.
05 الموازنة بين إدارة المخاطر والتنمية المستدامة
يتطلب التعاون الدولي عالي الجودة بناء وعي فعّال بإدارة المخاطر والوقاية منها، مع التركيز على تجنب الاعتماد المفرط على التكنولوجيا أو الموردين، ونقص فرص العمل المحلية، ومحدودية نقل التكنولوجيا.
ويُوصى بتعزيز البحث والتطوير المشترك، وتدريب وتأهيل الكوادر، وأمن البيانات، وآليات الاستثمار الشفافة، مع الالتزام بالمعايير الدولية في مجالي التكنولوجيا والبيئة.
خلاصة: مع انتقال العلاقات الصينية-الأردنية من مجرد التفاعل الثنائي إلى التعاون الاستراتيجي الإقليمي، يتضح بشكل متزايد الدور الذي يمكن أن يؤديه الأردن باعتباره «بوابة أمامية» للشركات الصينية لدخول الأسواق العربية والعالمية.
ولا تقتصر أهمية الأردن على قدرته على جذب الاستثمارات الصينية فحسب، بل تكمن أيضًا في قدرته على مساعدة الشركات الصينية، من خلال الامتثال للأنظمة، والتوطين، والتعاون المؤسسي، على تحقيق هدف استراتيجي أوسع يتمثل في «الانطلاق نحو أسواق أكبر».

Join The Discussion